أكتب من أجل الامل، القليل من المحبة، و القليل من السلام.
اكتب من أجلى، ومن أجلك، ومن أجل كل من نعرف.

الثلاثاء، 5 يناير 2021

المسلم الصالح، المسلم الطالح: مراجعة كتاب

 


 

الكتاب ده من أهم الكتب إللى قرأتها السنة إللى فاتت. الكتاب بدون شك كان عبارة عن حقل ألغام بالنسبة لى. حرك جوايا أفكار ومشاعر كتيرة جدا، هز تفكيرى والطريقة اللى ببص بيها على الإسلام المتطرف، حتى لو لم ينجح انه يغير وجهه نظرى. 

 

الحداثة والدولة الإسلامية:

الكتاب بيبدأ بالحديث عن الحداثة وتعريفها، اللى هو بالطبع تعريف غربى. وببساطة الكاتب بيسأل ليه المجتمعات الإسلامية بيتم اعتبارها مجتماعات ماقبل الحداثة لمجرد قبولهم لأفكار زى قطع الأيدى او الرجم حتى الموت، وهى بالفعل حدود الشرع، وهى بالفعل أفعال عنيفة وقد تكون كمان وحشية. لكن اللى الكاتب بيستعجب منه، ان مفهوم الحداثة لايتعارض مع الأحتلال، الأستيطان، السرقة والنهب، والتطهير العرقى والعبودية كمان - كلها سلوكيات تمتاز بيها الحضارة الغربية "المتحضرة" ضد الشعوب "المتخلفة". فالكاتب بيسأل يعنى ايه حداثة فيما يتعلق بالثقافة والعنف. وازاى المفاهيم ديه مفاهيم سخيفة، ملهاش وجود فلسفياً، وإنما هى مفاهيم سياسية بحتة بيتم تطويعها للأستعمار. وبيطرح أطروحة إدوارد سعيد بأن الحروب الثقافية مش بين الغرب والشرق، وإنما داخل الغرب نفسه وداخل الشرق نفسه. 

لكن فى بلادنا العربية احنا بالفعل عندها أزمة مع ما يعرف بالحداثة. الحداثة هاجس كبير فى المجتمعات الإسلامية بالتحديد. وكتير من اليساريين او المسلمين التقدميين بيجدوا أزمة بين الثقافة الدينية وبين الحداثة، لسبب ان مفهوهم عن الدولة الحديثة مفهوم غربى لدرجة كبيرة. لكن بالنسبة للمسلمين العامة، مفهوم الدولة الإسلامية مفهوم مبهم وملوش معنى واضح. حتى الموضوع نادراً مابيكون حوالين الشريعة او الحدود الفقهية. الهلع حوالين الشريعة بيكون هلع غربى ومتواجد بين المغتربيين العرب والمسلمين. بالنسبة للعامة من المسلمين، الشريعة وحدودها العنيفة نادراً ما بيشغل حيز كبير. رؤية المسلمين للدولة الإسلامية رؤية مجردة جداً وبتقوم على مبادئى علمانية جداً زى العدل، المساواة، القضاء على الفقر .. إلخ. مبادئ ملهاش اى علاقة محددة بالهوية الإسلامية. مبادئ هم فقط بيفتقدوها فى الحكومات العلمانية الدكتاتورية اللى بتحكمهم برضاء القوى الغربية. لو شاورت لحد على الدول الدينية الظالمة حالياً او عبر التاريخ، هيقولك بسهولة انها مش "إسلام حقيقى" حتى لو برده مافيش تعريف واضح ومكتمل يعنى ايه إسلام حقيقى، ولو شاورت على دولة علمانية عادلة، هيقولك بنفس السهولة "إسلام بلامسلمين". أعتقد، وربما أكون مخطئ، ان العامة من المسلمين مش فارق معاهم المسميات او الظواهر الدينية زى فرض الحجاب بالقانون وتطبيق الحدود الشرعية اللى عفى عليها الزمن، وإنما دولة فيه مساواة بين الجميع وعدالة أجتماعية وقانونية. حتى لو المبادئ ديه ربما عمرها ما تواجدت فى دولة دينية او حتى لو المبادئ ديه مثالية زيادة عن اللزوم. 

 

الحرب الباردة: 

الكاتب بعدها بيتناول الحرب الباردة فى شرق آسيا، بالتحديد فى فيتنام و لاوس. الأولى كانت تجربة فاشلة بجنود على الأرض، التانية كانت تجربة ناجحة عن طريق أستخدام وتدريب ودعم ميلشيات متمرديين مسحلين. الغرض من الحربيين ديه مواجهة نفوذ الأتحاد
السوفييتي. وأمريكا طلعت من الحربيين دول عن طريق انهم اتعملوا انهم ماينزلوش بالجنود على الأرض، وإنما يجندوا أهل البلاد ضد بعضهم. نيكسون بصراحة قرر أن "الأولاد الآسيوين يحاربون الحروب الآسيوية". الحرب فى لاوس كانت مربحة وناحجة، ومن هنا، المخابرات الامريكية طورت وطوعت نفس الأستراتيجية فى امريكا اللاتينيه اللى فيها بلاد كتيرة كانت ميالة للشيوعية. الهدف من الميلشيات ديه هو الترويع فقط. "الأختلال الأمنى فى البلاد اللاتينيه كان كفيل انه يقنع الشعب انه حكومتهم ضعيفة وان معندهاش المقدرة على حمايتهم."

مع استقلال الدول الإفريقية والإسلامية من الاستعمار الاوروبى، الاتحاد السوفييتي لقى مساحة للنفوذ، لكن برده عشان امريكا تواجه النفوذ ده، دعمت جماعات إرهابية مختلفة بتعادى النظام المستقل الحديث. زى الإخوان المسلمين ضد عبدالناصر، و زى ف الكونغو والجزائر كمان. والكاتب بعدها بيستفيض بيذكر الجماعات المختلفة فى افريقيا وبيتكلم عن بالتفصيل عن وضع جنوب افريقيا، الابارثيد إللى كان هناك، وعن الحرب الأهلية فى الكونغو وأسبابها. الكاتب قارن كمان هنا بين جنوب افريقيا وإسرائيل، والتشابهات مرعبة. من اضحكها ان جنوب افريقيا كانت بتسمى نفسها "الديمقراطية الوحيدة فى افريقيا." زى بتوع الديمقراطية الوحيدة فى الشرق الأوسط. الوجه المهم هنا، هو ان جنوب أفريقيا - زى أسرائيل - كانت بتدعم ميليشيات مسلحة فى بلاد حواليها لأجل عيون القوى الغربية، عشان البلاد اللى واخدها استقلالها حديثاً تقع فى حروب أهلية.

 

من الحاجات العجيبة هو ان الحروب ديه اغلبها كان بيتم تمويلها بتجارة الكوكايين (امريكا اللاتينيه)، والهيروين (افغانستان)، ومن المضحك ان القائم على مزارع وتجاة الهيروين فى افغانستان كانوا شيوخ وأئمة عادى جدا. 

 

الجهاد والإسلام السياسى:

فى الحديث عن الجهاد، الكاتب الأول بدأ يتكلم عن امتى كلمة "جهاد" تم استخدامها فى التاريخ الإسلامى - تلات مرات. وبيعرف القارئ الأجنبى أصلا يعنى ايه كلمة جهاد فى اللغة والإسلام. وديه الجزئية الوحيدة اللى كاتب هيتطرق فيها للكلام عن الإسلام كديانة. الكاتب بيرفض تماما الحديث عن الإسلام إذا كان هل هو كديانة تستسيغ الإرهاب والعنف ولالأ. من ناحية او مستوعب ان أغلب المسلمين مش هيقتلوا فرخة. لكن ده مايمنفعش انهم مش هايمنعوا لو حد قتل الفرخة مكانهم. لابد من الأعتراف ان لو فيه استساغة للعنف والإرهاب فى كل بلاد العالم ضد العدو، فى المجتمعات الإسلامية مش بس سهل بلعه وإنما كمان بيصبح فضيلة. فى المجتمعات الإسلامية سلوكيات كتيرة غيرأنسانية وغيرأخلاقية بيتم استساغتها وعدم الحديث عنها لانها موضوعة فى إطار دينى مقدس. ومافيش اى افعال داعش بتقوم بيها من قتل او حرق بدون دليل من القرءان والسنة، سواء رضينا بقى او لم نرضى. من ناحية اخرى انا مستوعب المجتمعات الغربية بتستسيغ سلوكيات غير أخلاقية وغير انسانية بأسم الحضارة او التحضر او الوطنية. وكمان عارف ان الإسلام مش الديانة الوحيدة اللى فيه حدود عنيفة. العهد القديم فيه حدود اكتر عددا و اكتر وحشية. لكن عمر ما حد هيقول ان ده أمر إلهى او شرعى، عمر ما حد هيحطها زى ما المجتمع الإسلامى بيحطها. عدم الرغبة فى العنف بيتحول لإثم، حتى بدون دليل هو ليه إثم.

 حتى لو الكاتب مهتم فقط  بتطويع الإسلام والفلسفة الدينية سياسيا، لا فقهيا. وحتى لو حقيقى أن إللى بيتبعوا اسامة بن لادن او ما يشبه، مش بيتبعوه لانه "شيخ" من الدرجة الأولى، مش بيتبعوا "إسلامه" من الدرجة الاولى، هم بيتبعوه لانه سياسى، لانه عسكرى، لأن له إيديولوجية سياسية أو طموحات سياسية. وحتى لو حقيقى ان الدولة الإسلامية بعد الخلفاء الراشدين اصبحت دولة علمانية صرف فيها فصل بين المؤسسة العسكرية المدنية (الخليفة او السلطان) وبين المؤسسة الدينية (العلماء والفقهاء والمفسرين)، تظل الدولة الإسلامية المثلى، المقدسة هى دولة الخلفاء والرسول؛ الدولة اللى حكم فيها  فقيه المؤسسة الدينية والعسكرية والمدنية. ديه حقيقة تاريخية لا اعتقد ان ممكن حد يكذبها. 

اعتقد اللى بحاول اقوله باكتر من أسلوب، هو ان مافيش نار من غير حطب. الجهاديين المتطرفيين مش بيبتدعوا او بيدعوا على الدين فيه شيئ. هم بيردوا الأشياء لأصولها. الكاتب مصر على ان الإسلام ديانة زى أى ديانة، وانها مش ديانة سياسية بالفطرة. وانا مش متفق مع ده. ويظل خروج الحركات الجهادية كرد فعل غير متوقعة، هى رد الفعل ده بقى ما خرجش من اى ميلشيات لاتينية وقت الحرب الباردة. او خلينا نحطها بشكل مختلف، هو ان مافيش ميليشيات لاتينيه اتطورت للحركات الجهادية الإسلامية اللى بنتعايش معاها.

فى العموم الكتاب مش مهتم بمناقشة النصوص الإسلامية، وإنما مهتم بسياسات الولايات المتحدة لمواجهة النفوذ الروسى او الاشتراكي بأى طريقة ممكنة. حتى لو هيضر الألاف من جنودها، ويفتح الباب للمخدرات الأفغانستانية الدخول وزيادة نسب الإدمان من الجنود الأمريكيين والمدنيين بالملايين، والموتى بالألاف.

من النقاط المثيرة جدا بالنسبة لى هو ان الحركة الإسلامية فى السبعينيات والثمانينيات، كانت كلها موجهه من المخابرات الامريكية والسعودية. الكاتب ذكر شيخان سعوديان كانوا بالفعل عملاء مباشرين للمخابرات الأمريكية. زيهم زى بن لادن. لكن دورهم كان الفضائيات وتجنيد شيوخ أخرين. الغرض من الحركة الوهابية ديه فى العالم العربى كان تأسيس اديولوجية أرهابية تكون أرض خصبة من أجل توريد مجندين للحرب "للجهاد" فى افغانستان. والإحصاءات بتقول ان فيه حوالى ربع مليون عربى شارك فى حرب أفغانستان. الكاتب بيزود على ده ان ده  حول بلد علمانى زى باكستان إلى بلد اسلامى متطرف على ايد زيا-الحق، الجنرال الموضوع بواسطة الولايات المتحدة. باكستان كانت مولد حركة طالبان، والمكان إللى بيتلقى فيه المجاهدين (او ما يعرف بالقاعدة بعدين) تدريباتهم وأسلحتهم. وكمان الحدود بين البلدين، أفغانستان وباكستان، كانت المساحة المزروعة هيروين. الكاتب بيقول ان الهيروين كان مصدر دخل للميلشيات اللاتينية زى ما هو كان للمجاهدين وحركة طالبان. بعد دخولهم السوق، أفغانستان لوحدها كانت بتصدر 70% من الهيروين العالمى. ده كمان رفع نسبة المدمنيين فى أفغانستان وباكستان، زى ما حصل فى أمريكا.

الاثنين، 11 نوفمبر 2019

الإسلام فى عين الغرب



موخرا كنت اقرأ كتاب عن الإسلام فى أوروبا. على غير المعروف فى العالم العربى، العمليات الأرهابية فى أروربا كتيرة جدا. فى فرنسا مثلاً بين 1970 ل 2016،[1] هناك اكتر من ألفين حادثة إرهابية. هذا غير اغتيالات الوزراء والصحفيين و الأدباء. وعليه 
يعتبر الإسلام حقل ألغام فكرى بين الغربيين فى مناقشته. وقع فى يدى مؤخراً كتاباً بواسطة صحفى  يدعى بروس باور "بينما أروربا نائمة"، الكتاب من المفترض انه بينتقد أوروبا والإسلام "المتطرف". هذا ما وجدته على الغلاف و هذا ما قرأت من تعليقات على الكتاب، حيث انه كان مرشح لجائزة نقدية مرموقة، كما انه ايضاً على قائمة الأكثر مبيعاً للنويورك تايمز.

الكتاب بيبدأ بمقارنة غير منطقية او ذكية بين الإسلام والنازية. مشكلتى مع المقارنة ليس انها مهينة فى الحقيقة مشكلتى انها مش على أى أساس علمى او منطقى. حرية التعبير و المنطق أمر مكفول ومطلق، ليس هناك مشكلة فى مقارنات قد تبدو مهينة - لكن على أساس من المنطق الذى يمكن مناقشته. لكن هنا ليس هناك اى وجهه تشابه بين الإسلام والنازية، لا إيدولوجياً ولا تاريخياً. الشيئ المشترك الوحيد هو ان الكاتب لا يحب الحاجتين دول، لكن مش بالضرورة لان فيه أسباب او أدلة واضحة لعقد المقارنة المختلفة ديه. 
بل على العكس تماماً، فيه اوجهه مقارنة أيدولوجية و تاريخية كبيرة بين "فكر الكاتب" و "النازية". 1) الأتنين بيحطوا من أقلية عرقية دينية عايشية فى أوروبا تحت وطأة الهميش والتمييز: الإسلام فى العصر الحالى؛ اليهودية قبل الحرب العالمية التانية. 2) الاتنين إدعوا قوة وهمية للأقلية الدينية على أوروبا. 3) الاتنين بيعتمدوا بشكل أساسى فى الهجوم على إدعاء حماية أوروبا. 4) الأتنين فى الأصل مشكلتهم بتدور حوالين القومية الأوروبية النقية المبنيه على ethnocentrism او التمركز حول الذات العرقية. 5) واخيراً الاتنين ليهم انتماءات سياسية. النازية وصلت عن طريق حزب. والأفكار النازية لاتزال قائمة جوا أحزاب محافظة او يمينية. تم تغيير الأسم فقط.
ليس هناك اى عنصر من هذه العناصر مشترك مع الإسلام المتطرف.الإسلام او الإسلام المتطرف ليس عرقى عنصري، على العكس، الإسلام من اكتر الديانات متنوعة العرقية على الأرض. أوروبا  أجمع ليس بها حزب إسلامى واحد، لتتم مقارانتها بالنازية. ليس أى سياسين مسلمين حتى يتبعوا منهجية شريعية إسلامية . اغلب المسلمين السياسيين ليبرالين علمانيين. لكن مرة اخرى، هناك أحزاب يمينية بتقوم على نقاء القومية الأوروبية من الأعراق الملونة والمهاجرين الغير بيض، ولها تدوال وصوت مسموع وتأثير واضح و فرصة ديمقراطية متساوية فى الوصول للحكم - وهذا ما حدث بالضبط مع النازية.


مايمسى بـ الواقع الإسلامى: 

الإسلام أزمة فى أوروبا بكل الأحوال. والإسلام التطرفى أزمة فى كل أنحاء العالم وليس أوروبا فقط. الكاتب لايدرى ان "الإرهاب" الإسلامى ياؤدى بحيوات من المسلمين اكتر من الغرب بكتير. فحوالى 80% من ضحايا التطرف الإسلامى متواجدين فى العالم العربى الإسلامى.[2] بالنسبة للكاتب، ليس فرق كبير بين الإسلام و التطرف. الإسلام هو التطرف؛ والتطرف هو الإسلام. على مر الكتاب، الكاتب لم يكن عنده فكرة واضحة عن اى شيئ بالتحديد هو يتحدث عن الإسلام. تارة، يقول ان الإسلام التطرفى يأذى الجميع حتى المفكرين المسلمين الوسطين، وتارة يقول انه ليس هناك شيئ اسمه إسلام وسطى. لم يبذل الكاتب اى مجهود فى الكتاب بحيث ان يكون مكون من أفكار مراتبطة ومتسقة مع بعضها. الكتاب عبارة عن وعائين (فصلين)، وكل وعاء - فصل - طويل وعائم على بعضه فى الأفكار و النقاط. هناك انعدام لاى عنوانين فرعية، او نظام وترتيب للأفكار او منهجية للجدال. الكتاب عبارة عن كتلة من الرغى و"عواطف" الكاتب، وبيعبر عن مشاعر العنصريين اليمينيين فى أوروبا و إيه اللى بيدور فى ذهنهم وقلوبهم من الإسلام بعد كل العمليات الإرهابية اللى شهدوها فى الأونة الأخيرة. وليس هناك اى مراجع او مصادر او أدلة من أى نوع، مايقول الكاتب مُنزل ولابد من تصديقه.
انا لا أرغب فى أحتكار الحديث عن الإسلام. التعامل مع الصدمات العصبية للعمليات الإرهابية أمر صعب، خصوصاً فى البلدان التى لم تعرف لها الحروب والنزاعات العنيفة طريقاً لفترة من الزمان. مشكلتى ليست انه يتكلم عن "مشاعره" تجاه حوادث مرعبة إرهابية شاهدها على التلفاز او مر بها؛ ربما هذا هو الواقع الذى يعايشه ومن حقه كل الحق ان ينقل هذا الواقع "كـصحفى". مشكلتى تكمن فى الانتقال بين الواقع الذى يعيش فيه هو، وبين الواقع الإسلامى ذاته، الذى يعيش به المسلمين. فتراه ينقل أحاديث و أيات كأنه فاهم لما يتحدث عنه، دون التطرق لنقاط مهمة مثل التفاسير المختلفة بأختلاف الأئمة، او التطرق لمدارس الفقة والشريعة. هنا الفكرة تقف عن انه خرج من الحديث عن تجربته - او بالأحرى الواقع الذى يعيش فيه و واقع تجاربه، وبدأ يتكلم عن تجربه الإسلام - او الواقع الإسلامى - بلسان اكتر من مليار مسلم، هنا بدأ يرسم واقع لم يختبره ولم يعيش فيه ولايدركه من الأساس إلا من عمليات إرهابية عشوائية تحدث. بمعنى آخر، ان لم تحدث اى عمليات إرهابية فى أوروبا لم يكن الكاتب ليتحدث عن الإسلام او المجتمعات الإسلامية من الأساس. 
ولو كان شخص مرتد قد قال نفس الكلام - رغم ثقتى لم يكن ليستخدم نفس التعبيرات والأساليب - لم أكن لأمانع، لان المرتد هنا يتحدث عن "تجربته" الشخصيه مع الإسلام كواقع عاشه لسنين طويله، ويمكننا هنا ان نناقش تجربته وعلاقاته التى شكلت نظرته عن الإسلام. لكن هذا شخص أبيض أوروبى، إدراكه عن الإسلام مثل إدراكه بأى أقلية عرقية: منعدمة. الحديث عن مشاعره بالقلق او الخوف، او تواجده جوا حادثة إرهابية أمر مكفول الحق - سببابه لكل شخص كان له إيد فى الحادث مكفول. لكن التطرق للإسلام و العالم الإسلامى هذا خارج نطاق الوعى الشخصى وإنما يشمل وعى "أمة" بأكملها.


المجتمعات بين الجامد والسائب: 

الكاتب عبر الكتاب حاول ان يصور الإسلام كـ فكرة جامدة وغير متغيرة، عن طريق ان ينقل آيات لايعلم معناها، مع بعض الأحاديث، ثم يربطها بمقالات لصحفيين غربيين كتبوا عن أراء لشيوخ وأئمة فى العصر الحالى. ليخرج بذلك ان الإسلام لم يتغير من ألالاف السنين. وعلى الرغم من ان جمود الفكر الإسلامى يتحمله المسلمين، إلا ان الكاتب دلس فى الكثير من الحقائق. الكاتب لم يفرق ابداً بين الإسلام كنص او تطبيق و الإسلام كمجتمع. وهذه ثلاث نقاط متفرعة من بعضها البعض. من المنطقى ان النصوص جامدة ولا تتغير. التطبيق اتجاه اخر يعتمد كلياً على مذهب وفلسفة التفسير لهذه النصوص، واخيراً السلوكيات المجتمعية التى يسكلها الأفراد، لكن بالأخص السلوكيات التى يلهمها الدين. جميع هذه النقاط تمزاجت فى عقل الغرب تحت كلمة واحدة "الإسلام".
المجتمعات - مثلما صورها أفلاطون - كـالأنهار، لا تتوقف عن التغير و الحركة. فى علم الاجتماع، كل المجتمعات يمكن ان يتم تناولها بنفس المنطق، إلا المجتمع الإسلامى فى الدراسات الغربية، هو مجتمع لاينطبق عليه أسس علوم الاجتماع والانثروبولجى. لماذا؟ لانه مجتمع خيالى يقع فقط فى ادمغة بعض الأوروبين: جامد وغير متغير. الكاتب، جعل صورة المجتمع الإسلامى، بصورة مجموعة من الأشخاص القبليين الكارهين للمرأة و المثليين و اليهود، (هذه هى الفئات الذى تتمثل فى الغرب "الحالى") ويتمحور كل ما فى أدمغتهم حول قتل الملايين منهم كإرضاء لله. بالنسبة للكاتب الإسلام له صور محددة ومفاهيم محددة - أجمعها عنيفة ومتطرفة وكارهه "للغرب". وبهذا يفسر بكل "عبقرية" لما المجتمعات الإسلامية على حالها رغم كل العصور التى مرت عليهم. ليس لانها مجتمعات انسانية تكبو وتصعد - لأ.  ليس لأنها كأى مجتمع مرتبط بتاريخ وصراعات فكرية - لأ. وليس لانها كأى مجتمع انسانى مرتبط بأوضاع سياسية وأقتصادية - لأ. فالنسبة للكاتب، المجتمع الإسلامى لم يفوق الغرب يوماً فى الثقافة والعلوم والمعرفة. بالنسبة للكاتب، ليس هناك اى صراعات سياسية او فكرية داخل بلاد المسلمين ومجتمعاتهم، ليس هناك توجهات اشتراكية او رأسمالية على سبيل المثال، او علمانية أوروبية صرفية وعلمانية متحفظة، ليس هناك صراعات ثقافية او مجادلات أدبية، حتى أبسط الصراعات بين الطوائف الإسلامية وبعضها ليس موجود فى نظر الكاتب، إيران مثلها مثل السعودية، السعودية مثلها مثل مصر، وهكذا. المجتمعات الإسلامية فى خيال الكاتب، حتى الآن، لم تتغير بالتعرض للعولمة او التكنولوجيا والعلوم او الإعلام والسينما الغربية أو للأفلام الإباحية. أشعر بسخف بالغ فقط لمحاولتى لإثبات ان المجتمعات الإسلامية من المستحيل ان تكون على حالها منذ ظهور الإسلام! عزل الكاتب بكل غباء المجتمع الإسلامى عن اى مؤثرات وعوامل سياسية او اقتصادية او ثقافية عبر الأزمنة، وجعلها متصلة فقط بالإسلام. الإسلام - من نظر الكاتب - هو الدافع والمبرر والسبيل وراء كل ظاهرة او سلوك او اعتقاد او فكرة متواجدة فى المجتمعات الإسلامية، ومرة اخرى، هذه الأفكار والظواهر هى نفسها عبر جميع العصور وجميعا ترجع للنصوص الإسلامية المقدسة. أنتهى.

 أتخذت أروربا منذ القرون الماضية واحتلالها للعالم الشرقى سلطة علمية من أجل دراسة هذه المجتمعات - تاريخياً، ثقافياً ومجتمعياً، وحتى طبياً ونفسياً - من أجل الوصول لأفضل السبل فى السيطرة وأنتهاز هذه البلاد واستغلال خيراتها وشعوبها. تبدلت الخطابات الأوروبية فيما يتعلق بالأعراق و الاجناس، فالآن، ليس مسموح لأى شخص أوروبى يتكلم بأسم الأفارقة او اليهود، وإلا يتم أتهامه بالعنصرية و التمييز العرقى، إلا بأستثناء الإسلام، يمكن لأى شخص أوروبى الحديث عن الإسلام كيفما شاء دون حرج او خوف من العواقب المجتمعية او الفكرية. اذا قارنا كيف تم رؤية الصراعات الأهلية فى أفريقيا والحديث عنها فى إطار أجتماعى، لن تجد أبداً كاتباً او صحفياً يعد الأسباب إلى جمل من نوعية: الثقاقة الأفريقية تتميز بأنها وحشية وحيوانية. هذا الكلام كُتب بالفعل فى الكتب الاوروبية من مئتان سنة، الأن يتم دراسة هذه الصراعات - كأى دراسة مجتمعية - مثلاً من الناحية الثقافية وتأثير القبلية، او من الناحية الأقتصادية او السياسية او حتى الطائفية - كله دون أستخدام انماط مسيئة او مهينة للعرق الإفريقى او حتى أدنى التليمحات إلى نقطة عرقية. هنا يتم التركيز على نقاط لعلم الأجتماع المتعارف عليها المنطقية و المقبولة لدى أجمع العلماء - كأى مجتمع أنسانى. لكن المجتمع الإسلامى ليس مجتمع أنسانى لان الكاتب لم يرى أى بشر يعيشون فيه. ولو انه رأى أنسانيتهم حتى حين انتقادهم وانتقاد "تخلفهم"، لكان أستخدم سلب او مصطلحات أفضل، لكن هذه لسيت البنية التى بنى على الكتاب او الهدف منه.


النساء واليهود والمثليين: 

الإسلام يقهر النساء! يعدم المثليين! معادى للسامية! تعمد الكاتب غض البصر عن تاريخ اوروبا الطويل فى إعدام للنسويات بقطع الرقبة من بعد الثورة الفرنسية على سبيل المثال لا الحصر أوليمبى دى جورجى [3]،(تم إعدامها لكتابة الإعلان الفرنسى لحقوق المرأة و المواطنة الفرنسية)؛ وناهيك إزدهار إعدام المثليين شنقاً فى نفس الفترة ولأكتر من قرن؛ وناهيك عن تاريخ أوروبا الطويل فى التمييز ضد اليهود، إجبارهم على أرتداء زى معين لتميزوهم بالشارع وبالأحرى تسهيل أضطهادهم، إجبارهم على العيش فى أماكن محددة ومنعهم من دخول مدن محددة، وتهجيرهم من مدينة لمدينة وهدم قراهم ومعابدهم، وحوادث إبادتهم عرقياً عبر أوربا - أشهرهم فرنسا - حتى محرقة النازية فى الحرب العالمية التانية - هل كان المسلمين يحكمون اوروبا فى هذا الوقت؟ ولما أتحدث فقط عن الماضى الأوروبى، حتى الآن، حوادث معاداة السامية لم تتوقف قط فى أوروبا و أمريكا، تم الأعتداء موخراً على معبد يهودي فى الولايات المتحدة هذا العالم [4]، نهايك عن اعداد الأعتداء على المثليين و العابرين جنسياً التى تتخطى المئات حتى عصرنا الحالى. [5]. مفاجأة: من قام بهذه الأعمال، رجال بيض مسيحين - بأستثناء حادثة أورلاندوا العام الماضى كانت على إيد مسلم. رغم تراكم الأدلة على ان معاداة السامية ورهاب المثلية امران لا يزال المجتمعات الغربية تتصارع معهما، إلا ان الخطاب العام الأوروبى يجعى انها أمراض وظواهر لا تتجزأ من الثقافة الإسلامية، وكأن المسلمين لم يعيش بينهم مثل أبى نواس وغيره، وكأن المسلمين لم يعيش بينهم اليهود على مر العصور الأموية والعباسية وحتى الخلفاء الراشدين، ليس بالضرورة فى سلام دائم - لكن جميعهم جزء من النسيج التاريخى الثقافى للمجتمع المسلم - المتجاهل عمداً - بل فى صراعات دائمة "كأى مجتمع انسانى" مثل الصراعات التى لا تزال تشهدها أوروبا.

هذا لايعنى ان المجتمعات الإسلامية مجتمعات انسانية بشكل او بآخر واعية لثقافة كهذه، او بصدد ان تكون واعية للرحمة او التعاطف فى المستقبل القريب مع اى من الفئات. فقط النظر لمواقع التواصل الاجتماعى و الصحف حول رد فعلهم تجاه - مثلاً - مقالة المصرى اليوم حول الأغتصاب الزوجى، يدفعك للتفكير ان يوم القيامة قريب، وان الشفقة والرحمة عملة نادرة، والحق انها نادرة الظهور بسبب الخطاب الدينى او الأئمة، لا لعجز او قصور فى النصوص. هناك تفنن فى أضطهاد هذه الفئات - يبدو كذلك - تتفنن لا مثيل له، أكثر من الإبداع فى إنتاج منتجات محلية او ابتكارات تعلى من شأن هذه الأمم فى العالم. لكن هذا ليس ما نحن نتحدث عنه الآن.
الحق يقال ان العصر الإسلامى الحالى هو عصر جمود دينى - الفكر فيه يناقض السلوك المجتمعى - وتخلف. ليس هناك اى جدال على هذا، او على الأقل من ناحيتى.
ما يحاول الكتاب والمفكريين الغربيين من الأساس هو إنكار تام لحركة المجتمع الإسلامى الفكرى التاريخى. محاولة لمحو بن رشد، والغزالى، والتاريخ الطويل من الفسلسفة و الطب والهندسة، محو بن الهيثم، بن ميمون، وابوبكر الرازى. او حتى محو صراحات فكرية كالتى نمر بها الآن، مثال مقال المصرى اليوم، مثل حفلة مشروع ليلى وتباعياتها. اى نوع من انوع الجدالات او الصراعات الفكرية داخل المجتمعات الإسلامية قديماً او حديثاً او حتى تقاطعات للهويات العرقية والفلسفية ليس لها اى وجود داخل الفكر الغربى حين الحديث عن المجتمع الإسلامى، وهذا هراء!


بين أمريكا و اوروبا:

الكاتب هو أمريكى مهاجر لأوروبا، ينتقد فى جزء من الكتاب الحكومات الأوروبية فى التهاون مع "الخطر الإسلام" وتكاسلهم فى أيجاد حل "للمشكلة الإسلامية". والكاتب متحير جدا - دون ان اذكر مرة العشرين انه جاهل - لا يفهم بعد لماذا أروربا تتعامل بحذر مع الإسلام ، على عكس الولايات المتحدة. واستخدم بكل غباء مثالين - متوقعين ومثاليين منه - سيئين جدا، أفغانستان والعراق.  الكاتب الكسول، لا يستعوب شيئان: الأولى تاريخ اوروبا الطويل مع الإسلام[6]، لانهم حكموا الدول الإسلامية لفترة طويلة، ولذلك وجهه نظرهم عن الإسلام مختلفة بشكل جذرى عن وجهه النظر الأمريكية؛ السبب التانى، المحرقة اليهودية. المسلمين فى أوروبا حالياً أقلية دينية مهاجرة، مثلما كان اليهود، وناهيك عن انهم ساميين ايضاً مثل اليهود. العشرات من الكتب التاريخية المسيئة للساميين تجعل عبئ فكرى وتاريخى على المجتمع الأوروبى، وظهرت هذه الكتابات على السطح بعد الحرب العالمية الثانية، فلامبرر ان تظهر مرة اخرى بعار ممل ومتكرر، ولهذا لايتعاملوا بنفس الحوافز والتسرع والهلع.

بالنسبة للولايات المتحدة، الإسلام لم يكن له أى وجود فى ذهنيتهم او تغطيتهم الإعلامية قبل السبعينيات. [7] الفترة ديه تزامن فيها اكتر من حادث "إسلامى" او تم تغطيته فى الغرب على انه إسلامى. الأول حرب أكتوبر حين تم قطع البترول عنهم وسبب عجز صادم، فكان "الشرق/الإسلام" لأول مرة "قوة" متكاتفة ضد "الغرب" وخطر لا بد من ملاحظته.* الحادث التانى، هو الرهائن الأمريكيين فى طهران عقب الثورة الإيرانية الإسلامية وسقوط الشاه. لم يكن هناك اى كتابات مكثفة عن الإسلام قبل هذه الفترة. كانت هناك أمة الإسلام - التى منها محمد على كلاى، وكان عضو سابق منها مالوكم أكس - لكن النظر لامة الإسلام كانت نظرة عرقية ليس إلا، كجزء من الحراك الحقوقى للافارقة - بغض النظر عن ان أمة الإسلام لاتمت للإسلام بأى صلة، بالمناسبة. فلما بدأ "الإسلام" - الذى هو جزء من الشرق - يدخل الذهنية الأمريكية، دخل كـ جزء من من تلاتة: البترول (وهو عنصر هام جداً، لدرجة انه يدفع الدولة للدخول فى الحرب و إزهاق الملايين من أرواح جنودهم فى سبيله)، كراهية إسرائيل، والإرهاب. 

وعى أوروبا للإسلام كان يتخطى هذه المفاهيم الثلاث، حتى وإن كانت المفاهيم الأوروبية ضيقة أيضاً. الأحتكاك بين العالم الإسلامى و أوروبا يعود لزمن طويل - ليس شيئاً ايجابياً بالضرورة. الأستمعار الأوروبى كان معتمد على ان الأوروبين لديهم سلطة على العالم الإسلامى، وانهم يحتلوا مرتبة أعلى فى الأنسانية من الأفراد المحكومين وكتاباتهم عن الإسلام أجمعها سلبية وعنصرية. لكن الفكرة انهم تناولوا الإسلام بصورة خارج إطار البترول او الإرهاب؛ تناولوا الإسلام والأقتصاد، الإسلام والمسيحية، الإسلام والمدارس الفقية، حتى الإسلام والجنس. وعليه، بالنسبه لهم - رغم الصور النمطية العنصرية - حتى هذه الصورة العنصرية بها عمق وخلفية أنسانية اكثر من الصورة الأمريكية التى تتمحور حول البترول النفيس فى إيدى الحثالة الإرهابيين. المعرفة الأوروبية جاءت فى صورة بين المستعمر والحاكم المتمثل فى أوربا وبين المحكوم المتمثل فى العالم الإسلامى وهذا لايزال جزء من بطانة الفكر الأوربى تجاه مايمسى "الإسلام"، مما يجعل أوروبا أقل هلعاً جداً من الإسلام، مقارنة بإمريكا التى كانت ولا تزال جاهلة بهذا الجزء من العالم.


* حتى هذه النقطة لا يتم النظر إليها على انها تحالف سياسى وأقتصادى وليس دينى، مثلاً. ربما العرب المسلمين غير قادرين على ممارسة السياسة مثل الأوربيين! من الغير منطقى لأى كاتب غير عربى استيعاب انه ربما - ربما فقط - هذه الدول أرادت رفع سعر البترول. فمثلاً لو كان حقا السبب دينى، أجد نفسى اتسائل لما لا نجد نفس التحافل مع فلسطين؟


مصادر: ملحوظة: كل المصادر بالأنجليزية.  
[1] قائمة بالحوادث الأرهابية فى فرنسا. 
[2] محادثة تيد. 
[3] تاريخ النسوية 
[4]حادثة معبد بوواى.
[5] قائمة بضحايا رهاب المثلية الولايات المتحدة. ملوحظة: لابد من اعتبار انه ربما هناك حوادث غير مسجلة.
[6] للمزيد عن هذا، إدوارد سعيد، كتاب الأستشراق.
[7] أدوارد سعيد، تغطية الإسلام.

الأربعاء، 6 يوليو 2016

أن تكون ولد ناعم

اعتقد مش بعيد جداً يكون المصطلح نفسه "ولد ناعم" او "ولد أنثوى" يكون يحمل فى أذهان الكثير من الخزى او الأشمئزاز، بالنسبة لى هو شيئ مؤلم جداً، بس ممكن يكون بالنسبة للبعض شيئ مثير للسخرية – عادى جداً، مافيش مشكلة برده.


شخصياً، انا عانيت المر كشخص ناعم او أنثوى فى المجتمع المصرى، حتى على الرغم من ان أحتكاكى كان بيبقى بالأوساط المثقفة و العلمية، فكان الموضوع مش سيئ اوى لابد من الأعتراف، تعاملى كان مع دكاترة جامعة و باحثين فى الأغلب، فحتى لما كان بيبقى فيه تخلف كان الشخص بي(ـتـ)بقى عارف/ة انه/ا مختلف/ة، او هيتقال عليه/ا مختلف/ة، فكانوا بيحتفظوا بغباءهم و عنصريتهم جواهم، طبعاً ماعدا الأشخصاء اللى مستوى ذكائهم منخفض بعض الشيئ، بتلاقى الغباء فى تصرفاتهم ونظراتهم، الأسوء فعلا كان الشارع بكل تأكيد.


1. مصدر للحرج. الناس هتسأل أصحابك "مين الولد ده؟"، او ممكن أوى "ايه الشيئ ده؟"، و يا سلام لو بتلبس ورد مثلاً او ألوان، شبهى، ضاعف مقدار الأنتقاد و الحرج. عادى جداً انك تسهر مع ناس تخلصلهم او تخلص معاهم شغل لمدة شهر او اتنين، بس يشفوك فى الشارع يعملوا نفسهم مخدوش بالهم، عشان الناس اللى معاهم متسألهم الأسئلة دى؛ عادى جداً انك تقعد تشرح لهم مادة/مواد مش فاهمينها، ويجيبوا درجات كويسة، ولما تبقوا فى نفس الكلية، ميقولوش ليك صباح الخير حتى، لنفس السبب. اعتقد الفكرة كلها فى الغباء، اغلب الناس دى مستوى ذكاءها بيبقى دون المتوسط، مايعرفوش ان العين شكلها بيبقى مختلف تماماً بين التجاهل و بين التركيز، بالعكس لما تشوف حد تعرفه وتتجاهله بيبقى فيه كمان توتر اكتر فى تعابير الوش كله لانك خايف انه ينادى، على الناحية التانية تعابير الوش وقت التركيز بتبقى أهدى. مش كدا وبس – الأمر مثير للشفقة عموماً. المفروض كمان ان الناس بتبقى بتتفضل عليك لما بيبقوا بيستحملوا الخرا ده، لأ، وفيه أشخاص ممكن تمن عليك بأنهم بيدافعوا عنك وانت مش موجود.


2.انت مصدر للسخرية كمان. بشكل او بأخر، حتى فى السينما المصرية الرجال الأنثويين او الناعمين مصدر للفكاهة، لازم المضمون يبقى ساخر او مثير للضحك. نادراً لما تلاقى ولد أنثوى فى موضع جاد او بيدور حواليه فكرة عميقة، عمره ما هيكون قايم بدور دكتور فى الجامعة او بيشغل منصب ما، فى الوقت اللى النساء المسترجلات ممكن يظهروا بيشغلوا مهن مهمة و مناصب عالية و بيرتبط بيهم صفات عظيمة ايضاً زى الأمانة، الجدية، الحزم ...إلخ. الولد الناعم يإما راقص، او مساعد الراقصة، او احياناً عامل فى الجنس التجارى، بيبقى على الناحية الأنسانية كداب، حرامى، غشاش، معندوش أمانة ...إلخ.


3.انت لا أنسان، او شيئ بدون شعور – ده بيبقى بجملة اللى فوق.
النساء غير مصنفين كأنسان، فى مصر، الرجل أنسان، المرأة أنثى – و فيه فرق اكيد. كل شيئ بيدور حوالين الرجل بيتم أعتباره جزء من أنسانيته حتى أخطاءه كمان، بس كل مايدور حول المرأة بيعود لأنوثتها بالتحديد الأخطاء. الرجل الأنثوى، من وجهه نظرة المجتمع هو أمر أغرب. وفى التسلسل الهرمى، ممكن يبقى أقل من النساء. (وفيه جدالية حوالين النقطة ديه) لو كانت المرأة مخلوق معوج وناقص، فهى خطأ من الله، فيتم أحترام نقصها و تعليق أخطاءها على انها انثى ناقصة فى العقل، بس الرجل الأنثوى خطأ شيطانى غير مفهوم؛ خطأ لابد من إزالته، او إخفاءه، او تعديله، و المهم إنكار وزنه، و أهميته. الرجل الناعم هو خليط بين الذكورة اللى بشكل او بأخر مقدسة و مرفوعة المكانة فى الأرض و فى السماوات وبين الأنوثة المعوجة اللى بحاجة لمن يقودها و يقومها عن سلوكياتها المنحرفة و الأنوثة الناقصة اللى بحاجة للرجال عشان يكملوها. طبيعى جداً ان الرجال الأنثويين يشغلوا منطقة مقززة و غير مفهومة، وعليه مرفوضة ومنبوذة، لانهم بيحطوا من قيمة الذكورة المفحولة الكاملة و المستقلة. النساء و الرجال الأنثويين بشكل مباشر او غير مباشر بيتم تقويمهم و مقاومة سلوكياتهم المنحطة، و إلا هنواجه خطر دولة الخولات و النسوان، وهدفنا الرئيسى اننا بنقى دولة رجالة، وهنتكلم اكتر تحت عن دولة الرجال العظيمة. فى الاخر زى ما الستات شبه المصاصة المكشوفة، انت شبه الكنافة او الطبيخ، طرى، ونص سوا، و المفروض انك تتسوا او تنشف شوية فى الشمس ولا حاجة.


4.انت لا انسان، و وانت مطالب انك عشان تبقى أنسان لازم تقوم بحاجة عظيمة جداً او ذات قيمة عالية جداً قد لايكون مطالب بيها ذويك من نفس السن لكن أكثر فحولة، او انك تتخلى عن الجانب الأنثوى الحقير اللى جواك، بإنكاره و تقليصه، وإظهار صفات رجولية و فحولة أكتر – و الحل الأخير جزء كبير من الأفراد بيلجأو ليه عشان التخلص من الضغط المجتمعى وبكدا يبقوا اكتر سلام مع نفسهم فى المقام الأول و نظرة المجتمع لأنهم صاروا بيحملوا صورة أكثر رقى للرجولة.
من كام يوم بدأت هوجة على ولد فى العشرينات مصمم أزياء، ناعم الهيئة. ردت صحفية لطيفة بمقال عن إنجازات الشاب الغير عادية بالفعل. وهنا الموضوع بشكل شخصى بيمسى، لانى فى الأغلب لما كنت بواجهه أنتقاد لطريقة تعبيرى عن نفسى، كان الأصدقاء و المقربيين، بيرودوا رود من نوع "ده اللى اخد مركز أول فى معرض مكتبة أسكندرية للعلوم، واللى مثل مصر فى المعرض الدولى بامريكا."


5.الرجل الناعم الأنثوى مثلى الجنس، ودى خليط قذر بين الفكر الغربى و الشرقى، عشان بتكون منتشرة أكتر بين الدواير المنفتحة، فعادى جداً تلاقي شخص بيحلف لأصحابة بكل الأديان انه مش مثلى، و كأنه بينكر جريمة شنعاء، او دم ضحية أغتصباها من على ايده. فى الوقت اللى الناس حواليه بكل براءة بيقولوا له يبطل إنكار الذات، احنا كدا كدا بنحبك زى ما انت، بس ماتكذبش علينا. الأشخاص دى شوية مش عارفين انهم بيساهموا زيادة فى جعل المثلية الجنسية وصمة. انك تكون مثلى الجنس ‘فحل’ المظهر أفضل كتير جداً فى مصر من أنك مغاير الجنس ‘ناعم’. و لو الموضوع ممكن يبقى مضحك للبعض – وده أكيد للبعض – بس الموضوع هيبقى ابشع لو انت مغرم طبعاً، لان انك تقنع اللى بتحبها انها تبطل تعاملك على انك زى صاحبتها. ده طبعاً بتجاهل تماما الجزء الأنسانى اللى جوا الشخص ده اللى بيخليه فاقد لثقته بنفسه.


6.كراهية الذات. لان كلنا جزء من المجتمع فأحنا بنتشرب أفكاره المسمومة حتى تجاه نفسنا. مثال بسيط: كراهيتك لنفسك وانت ضعيف. بكل بساطة كل الناس بتمر بلحظات ضعف و أنكسار، وعلى الرغم من ان ده جزء أنسانى بحت غير قابل للجدال، إلا انه مجتمعياً غير مقبول و مرفوض وعليه بنرفضه جميعاً فى الأشخاص اللى حوالينا و حتى فى نفسنا. نفس الشيئ لو المجتمع بيرفض الرجال الأنثويين، بس بشكل دائم وتحقيرى، ينعكس ده فصورة كراهية الذات فى شريحة كبيرة جداً مننا، ضد إرداتنا. الأفكار المجتمعية بتأثر كتير فى تفضيلات و سلوكيات الأشخاص و نظرتهم تجاه نفسهم، لو المتحرشيين كان بيتم تحقيرهم فى ثقافة المجتمع، كان أكيد هيكرهوا نفسهم، لكن لما يكون الإعلام و السينما بتجيب المتحرشين أبطال زى عادل إمام اللى بيقرص رجاء الجداوى و يسرا فى كل أفلامه فى فخدتهم، او تامر حسنى اللى كتب اغنية على مؤخرة واحدة، من المنطقى جداً انك تلاقى جيل صاعد بيتفاخر بالتحرش و الأعتداء على أجساد النساء، واعتبار ده فخراً جزء من الفحولة و الرجولة و التعبير الطبيعى للرجال عن جنسانيتهم و أنجاذبهم الجنسى للنساء، ومش كدا وبس، بيصبح التحرش "فطرة ربنا". امثلة التقافة المجتعية وتأثيرها على الأشخاص و نظرتهم الذاتية لا تعد ولا تحصى. انا محتاج كمان أقول ان كتير جداً بيتم انتقادى من ذكور لا بيقلوا نعومة عنى، بالإضافة الى انتقاد الإناث اكيد.


7.اعتقد دى اكتر نقطة مضحكة. محدش هياخدك بجدية من الأساس. لو ف يوم قررت أصلاً انك تعمل حاجة، فدة مش كفاية، لان الأغلب هيبقى حاطك فى صندوق مقفول ومكتوب عليه "صبى عالمة"، طبعاً اعتقاداً من المجتمع ان صبى العالمة ده شيئ حقير، لكن المتحرش ده راجل و فحل عادى يعنى – بس ده القالب المجتمعى بكل الاحوال سواء رضيت بيه ام لم ترضى. الولد المتمايل الناس ممكن تقوم عليه تضربه – ده حصل. لكن الناس بتشوف واحد بيمسك جسم واحدة و بيعملوا نفسهم مش واخدين بالهم. و اسأل نفسك، بينك وبين نفسك، انهى المنظر اللى فيهم هثير أشمئزازك أكتر! انا افتكر كويس الأشخاص اللى بصلوا لى فى عينى و قالوا لى "هتوصل" كانوا 3 أشخاص، بالعدد، فى الوقت اللى كنت فيه بتعامل مع مما لايقل عن 80-90 بنى أدم على الأقل. يوم المعرض مظهرى كان عجيب، كنت لابس بنطلون جينز ضيق جدا جدا وده كان 2012 و الفكرة دية مكنتش منتشرة بين الولاد زى دلوقتى طبعاً، كنت مشمر كمام البدلة و لابس حظظات كتير، وفوق كل ده كنت لابس كوتشى أسود مكعبر عليه جماجم بيضا. اى حد كان معدى جنبى مكنش يتخيل انى كنت بقف فى معمل كلية لمدة 6 ساعات على الأقل او ان اللوحة اللى ورايا دى انا قاعد عليه 48 ساعة، وانى واقف فى المعرض وانا لسه مغفلتليش عين من يومين.
ومش هنكر أن انا شخصياً اندهشت من نجاحى او وصولى لأى شيئ.


و السؤال هنا، لو معتز مكنش بأى شكل من الأشكال له اى شغف بالبحث العلمى هل وقتها كان يستحق التحقير؟ وبالتأكيد، لو معتز كان شخص فحل المظهر و السلوك لكنه شخص "عادى" بمعنى الكلمة وقتها ليه مكنش هيتعرض للتحقير من الأساس؟ او الأفتراض المرعب الأسوء، لو شخص انثوى راقص؟ هل لازم كل الولاد الناعمين او الأنثويين يكونوا عرفوا عن تقنيات الحمض النووى و ازاى يكتبوا ورقة بحثية و يشاركوا فى معرض دولى للعلوم و الهندسة و هم عندهم 18 سنة؟ او زى ما صحفية لطيفة دافعت عن مروان كوجك بأنه كان بيشتغل فى معسكرات اللاجئين السوريين فى سوريا وهو عنده 20 سنة؟ او اننا نقول انه ولد بنى نفسه بنفسه فى أوائل العشرين فى حين ان اللى فى سنه او اكبر قاعدين جنب ماما مستنينها تشتريى له جارية مدى الحياة يطلع عليها خراه و شهوته تحت مسمى الزواج المقدس! ليه ماينفعش يبقى لينا قيمة كبشر و مش بأفعالنا زينا زى اى حد؟ ليه الولد الأنثوى بيسبب شعور بالنفور و التقزز اكتر من الشيخ اللى بيطالب بعودة تجارة الرقيق و قتل الكفار او الراجل اللى بالفعل بيقتل "الكفار"؟