الكتاب ده من أهم الكتب إللى قرأتها السنة إللى فاتت. الكتاب بدون شك كان عبارة عن حقل ألغام بالنسبة لى. حرك جوايا أفكار ومشاعر كتيرة جدا، هز تفكيرى والطريقة اللى ببص بيها على الإسلام المتطرف، حتى لو لم ينجح انه يغير وجهه نظرى.
الحداثة والدولة الإسلامية:
الكتاب بيبدأ بالحديث عن الحداثة وتعريفها، اللى هو بالطبع تعريف غربى. وببساطة الكاتب بيسأل ليه المجتمعات الإسلامية بيتم اعتبارها مجتماعات ماقبل الحداثة لمجرد قبولهم لأفكار زى قطع الأيدى او الرجم حتى الموت، وهى بالفعل حدود الشرع، وهى بالفعل أفعال عنيفة وقد تكون كمان وحشية. لكن اللى الكاتب بيستعجب منه، ان مفهوم الحداثة لايتعارض مع الأحتلال، الأستيطان، السرقة والنهب، والتطهير العرقى والعبودية كمان - كلها سلوكيات تمتاز بيها الحضارة الغربية "المتحضرة" ضد الشعوب "المتخلفة". فالكاتب بيسأل يعنى ايه حداثة فيما يتعلق بالثقافة والعنف. وازاى المفاهيم ديه مفاهيم سخيفة، ملهاش وجود فلسفياً، وإنما هى مفاهيم سياسية بحتة بيتم تطويعها للأستعمار. وبيطرح أطروحة إدوارد سعيد بأن الحروب الثقافية مش بين الغرب والشرق، وإنما داخل الغرب نفسه وداخل الشرق نفسه.
لكن فى بلادنا العربية احنا بالفعل عندها أزمة مع ما يعرف بالحداثة. الحداثة هاجس كبير فى المجتمعات الإسلامية بالتحديد. وكتير من اليساريين او المسلمين التقدميين بيجدوا أزمة بين الثقافة الدينية وبين الحداثة، لسبب ان مفهوهم عن الدولة الحديثة مفهوم غربى لدرجة كبيرة. لكن بالنسبة للمسلمين العامة، مفهوم الدولة الإسلامية مفهوم مبهم وملوش معنى واضح. حتى الموضوع نادراً مابيكون حوالين الشريعة او الحدود الفقهية. الهلع حوالين الشريعة بيكون هلع غربى ومتواجد بين المغتربيين العرب والمسلمين. بالنسبة للعامة من المسلمين، الشريعة وحدودها العنيفة نادراً ما بيشغل حيز كبير. رؤية المسلمين للدولة الإسلامية رؤية مجردة جداً وبتقوم على مبادئى علمانية جداً زى العدل، المساواة، القضاء على الفقر .. إلخ. مبادئ ملهاش اى علاقة محددة بالهوية الإسلامية. مبادئ هم فقط بيفتقدوها فى الحكومات العلمانية الدكتاتورية اللى بتحكمهم برضاء القوى الغربية. لو شاورت لحد على الدول الدينية الظالمة حالياً او عبر التاريخ، هيقولك بسهولة انها مش "إسلام حقيقى" حتى لو برده مافيش تعريف واضح ومكتمل يعنى ايه إسلام حقيقى، ولو شاورت على دولة علمانية عادلة، هيقولك بنفس السهولة "إسلام بلامسلمين". أعتقد، وربما أكون مخطئ، ان العامة من المسلمين مش فارق معاهم المسميات او الظواهر الدينية زى فرض الحجاب بالقانون وتطبيق الحدود الشرعية اللى عفى عليها الزمن، وإنما دولة فيه مساواة بين الجميع وعدالة أجتماعية وقانونية. حتى لو المبادئ ديه ربما عمرها ما تواجدت فى دولة دينية او حتى لو المبادئ ديه مثالية زيادة عن اللزوم.
الحرب الباردة:
الكاتب بعدها بيتناول الحرب الباردة فى شرق آسيا، بالتحديد فى فيتنام و لاوس. الأولى كانت تجربة فاشلة بجنود على الأرض، التانية كانت تجربة ناجحة عن طريق أستخدام وتدريب ودعم ميلشيات متمرديين مسحلين. الغرض من الحربيين ديه مواجهة نفوذ الأتحاد
السوفييتي. وأمريكا طلعت من الحربيين دول عن طريق انهم اتعملوا انهم ماينزلوش بالجنود على الأرض، وإنما يجندوا أهل البلاد ضد بعضهم. نيكسون بصراحة قرر أن "الأولاد الآسيوين يحاربون الحروب الآسيوية". الحرب فى لاوس كانت مربحة وناحجة، ومن هنا، المخابرات الامريكية طورت وطوعت نفس الأستراتيجية فى امريكا اللاتينيه اللى فيها بلاد كتيرة كانت ميالة للشيوعية. الهدف من الميلشيات ديه هو الترويع فقط. "الأختلال الأمنى فى البلاد اللاتينيه كان كفيل انه يقنع الشعب انه حكومتهم ضعيفة وان معندهاش المقدرة على حمايتهم."
مع استقلال الدول الإفريقية والإسلامية من الاستعمار الاوروبى، الاتحاد السوفييتي لقى مساحة للنفوذ، لكن برده عشان امريكا تواجه النفوذ ده، دعمت جماعات إرهابية مختلفة بتعادى النظام المستقل الحديث. زى الإخوان المسلمين ضد عبدالناصر، و زى ف الكونغو والجزائر كمان. والكاتب بعدها بيستفيض بيذكر الجماعات المختلفة فى افريقيا وبيتكلم عن بالتفصيل عن وضع جنوب افريقيا، الابارثيد إللى كان هناك، وعن الحرب الأهلية فى الكونغو وأسبابها. الكاتب قارن كمان هنا بين جنوب افريقيا وإسرائيل، والتشابهات مرعبة. من اضحكها ان جنوب افريقيا كانت بتسمى نفسها "الديمقراطية الوحيدة فى افريقيا." زى بتوع الديمقراطية الوحيدة فى الشرق الأوسط. الوجه المهم هنا، هو ان جنوب أفريقيا - زى أسرائيل - كانت بتدعم ميليشيات مسلحة فى بلاد حواليها لأجل عيون القوى الغربية، عشان البلاد اللى واخدها استقلالها حديثاً تقع فى حروب أهلية.
من الحاجات العجيبة هو ان الحروب ديه اغلبها كان بيتم تمويلها بتجارة الكوكايين (امريكا اللاتينيه)، والهيروين (افغانستان)، ومن المضحك ان القائم على مزارع وتجاة الهيروين فى افغانستان كانوا شيوخ وأئمة عادى جدا.
الجهاد والإسلام السياسى:
فى الحديث عن الجهاد، الكاتب الأول بدأ يتكلم عن امتى كلمة "جهاد" تم
استخدامها فى التاريخ الإسلامى - تلات مرات. وبيعرف القارئ الأجنبى أصلا يعنى ايه كلمة جهاد فى اللغة والإسلام. وديه الجزئية الوحيدة اللى كاتب هيتطرق فيها للكلام عن الإسلام كديانة. الكاتب بيرفض تماما الحديث عن الإسلام إذا كان هل هو كديانة تستسيغ الإرهاب والعنف ولالأ. من ناحية او مستوعب ان أغلب المسلمين مش هيقتلوا فرخة. لكن ده مايمنفعش انهم مش هايمنعوا لو حد قتل الفرخة مكانهم. لابد من الأعتراف ان لو فيه استساغة للعنف والإرهاب فى كل بلاد العالم ضد العدو، فى المجتمعات الإسلامية مش بس سهل بلعه وإنما كمان بيصبح فضيلة. فى المجتمعات الإسلامية سلوكيات كتيرة غيرأنسانية وغيرأخلاقية بيتم استساغتها وعدم الحديث عنها لانها موضوعة فى إطار دينى مقدس. ومافيش اى افعال داعش بتقوم بيها من قتل او حرق بدون دليل من القرءان والسنة، سواء رضينا بقى او لم نرضى. من ناحية اخرى انا مستوعب المجتمعات الغربية بتستسيغ سلوكيات غير أخلاقية وغير انسانية بأسم الحضارة او التحضر او الوطنية. وكمان عارف ان الإسلام مش الديانة الوحيدة اللى فيه حدود عنيفة. العهد القديم
فيه حدود اكتر عددا و اكتر وحشية. لكن عمر ما حد هيقول ان ده أمر إلهى او شرعى، عمر ما حد هيحطها زى ما المجتمع الإسلامى بيحطها. عدم الرغبة فى العنف بيتحول لإثم، حتى بدون دليل هو ليه إثم.
حتى لو الكاتب مهتم فقط بتطويع الإسلام والفلسفة الدينية سياسيا، لا فقهيا. وحتى لو حقيقى أن إللى بيتبعوا اسامة بن لادن او ما يشبه، مش بيتبعوه لانه "شيخ" من الدرجة الأولى، مش بيتبعوا "إسلامه" من الدرجة الاولى، هم بيتبعوه لانه سياسى، لانه عسكرى، لأن له إيديولوجية سياسية أو طموحات سياسية. وحتى لو حقيقى ان الدولة الإسلامية بعد الخلفاء الراشدين اصبحت دولة علمانية صرف فيها فصل بين المؤسسة العسكرية المدنية (الخليفة او السلطان) وبين المؤسسة الدينية (العلماء والفقهاء والمفسرين)، تظل الدولة الإسلامية المثلى، المقدسة هى دولة الخلفاء والرسول؛ الدولة اللى حكم فيها فقيه المؤسسة الدينية والعسكرية والمدنية. ديه حقيقة تاريخية لا اعتقد ان ممكن حد يكذبها.
اعتقد اللى بحاول اقوله باكتر من أسلوب، هو ان مافيش نار من غير حطب. الجهاديين المتطرفيين مش بيبتدعوا او بيدعوا على الدين فيه شيئ. هم بيردوا الأشياء لأصولها. الكاتب مصر على ان الإسلام ديانة زى أى ديانة، وانها مش ديانة سياسية بالفطرة. وانا مش متفق مع ده. ويظل خروج الحركات الجهادية كرد فعل غير
متوقعة، هى رد الفعل ده بقى ما خرجش من اى ميلشيات لاتينية وقت
الحرب الباردة. او خلينا نحطها بشكل مختلف، هو ان مافيش ميليشيات لاتينيه اتطورت للحركات الجهادية الإسلامية اللى بنتعايش معاها.
فى العموم الكتاب مش مهتم
بمناقشة النصوص الإسلامية، وإنما مهتم بسياسات الولايات المتحدة لمواجهة النفوذ
الروسى او الاشتراكي بأى طريقة ممكنة. حتى لو هيضر الألاف من جنودها، ويفتح الباب للمخدرات الأفغانستانية الدخول وزيادة نسب الإدمان من الجنود الأمريكيين والمدنيين بالملايين، والموتى بالألاف.
من النقاط المثيرة جدا بالنسبة لى هو ان الحركة الإسلامية فى السبعينيات والثمانينيات، كانت كلها موجهه من المخابرات الامريكية والسعودية. الكاتب ذكر شيخان سعوديان كانوا بالفعل عملاء مباشرين للمخابرات الأمريكية. زيهم زى بن لادن. لكن دورهم كان الفضائيات وتجنيد شيوخ أخرين. الغرض من الحركة الوهابية ديه فى العالم العربى كان تأسيس اديولوجية أرهابية تكون أرض خصبة من أجل توريد مجندين للحرب "للجهاد" فى افغانستان. والإحصاءات بتقول ان فيه حوالى ربع مليون عربى شارك فى حرب أفغانستان. الكاتب بيزود على ده ان ده حول بلد علمانى زى باكستان إلى بلد اسلامى متطرف على ايد زيا-الحق، الجنرال الموضوع بواسطة الولايات المتحدة. باكستان كانت مولد حركة طالبان، والمكان إللى بيتلقى فيه المجاهدين (او ما يعرف بالقاعدة بعدين) تدريباتهم وأسلحتهم. وكمان الحدود بين البلدين، أفغانستان وباكستان، كانت المساحة المزروعة هيروين. الكاتب بيقول ان الهيروين كان مصدر دخل للميلشيات اللاتينية زى ما هو كان للمجاهدين وحركة طالبان. بعد دخولهم السوق، أفغانستان لوحدها كانت بتصدر 70% من الهيروين العالمى. ده كمان رفع نسبة المدمنيين فى أفغانستان وباكستان، زى ما حصل فى أمريكا.

I love it
ردحذف